أبو علي سينا

201

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الدماغ جوهر العظم ولا يتأدى إليه الآفات من العظم وإنما تقع هذه المماسة في أحوال تزيد الدماغ في جوهره ، أو في حال الانبساط الذي يعرض له عقيب الانقباض ، وقد يرتفع الدماغ إلى القحف عند أحوال مثل الصياح الشديد . فلمثل هذا من المنفعة ما جعل بين الدماغ وعظم القحف حاجزان متوسطان ، بينهما في اللين والصلابة وجعلا اثنين لئلا يكون الشيء الذي تحسن ملاقاته للعظم بلا واسطة هو بعينه الشيء الذي تحسن ملاقاته الدماغ بلا واسطة ، بل فرق بينهما فكان القريب من الدماغ رقيقاً والقريب من العظم صفيقاً ، وهما معاً كوقاية واحدة وهذا الغشاء مع أنه وقاية للدماغ ، فهو رباط للعروق التي في الدماغ ساكنها وضاربها وهو كالمشيمة يحفظ ألم . ضاع العروق بانتساجها فيه . وكذلك ما يداخل أيضاً جوهر الدماغ في مواضع كبيرة مزردة . ويتأدى إلى بطونه وينتهي عند المؤخر منقطعاً لاستغنائه بصلابته عنه . والغشاء الثخين غير ملتصق بالدماغ ولا بالرقيق التصاقاً يتهندم عليه في كل موضع بل مستقل عنه ، إنما يصل بينهما العروق النافذة في الثخين إلى الرقيق والثخين مسمر إلى القحف بروابط غشائية تنبت من الثخين تشده إلى الدروز لئلا تثقل على الدماغ جداً . وهذه الرباطات تطلع من الشؤون إلى ظاهر القحف ، فتثبت هناك حتى ينتسج منها الغشاء المجلل للقحف . وبذلك ما يستحكم ارتباط الغشاء الثخين بالقحف أيضاً . وللدماغ في طوله ثلاثة بطون ، وإن كان كل بطن في عرضه ذا جزأين فالجزء المقدّم محسوس الانفصال إلى جزأين يمنة ويسرة ، وهذا الجزء يعين على الاستنشاق وعلى نفض الفضل بالعطاس وعلى توزيع أكثر الروح الحساس وعلى أفعال القوى المصورة من قوى الإدراك الباطن . وأما البطن المؤخر ، فهو أيضاً عظيم لأنه يملأ تجويف عضو عظيم ولأنه مبدأ شيء عظيم ، أعني النخاع ومنه يتوزّع أكثر الروح المحرّك وهناك أفعال القوّة الحافظة لكنه أصغر من المقدم ، بل من كل واحد من بطني المقدم . ومع ذلك فإنه يتصاغر تصاغراً متدرجاً إلى النخاع ، ويتكاثف تكاثفاً إلى الصلابة وأما البطن الوسط ، فإنه كمنفذ من الجزء المقدم إلى الجزء المؤخر وكدهليز مضروب بينهما . وقد عظم لذلك وطول لأنه مؤدّ من عظيم إلى عظيم ، وبه يتّصل الروح المقدّم بالروح المؤخر وتتأدى أيضاً الأشباح المتذكّرة ، ويتسقف مبدأ هذا البطن الأوسط بسقف كري الباطن كالأزج ، ويسمى به ليكون منفذاً ومع ذلك مبعداً بتدويره من الآفات وقوياً على حمل ما يعتمد عليه من الحجاب المدرج ، وهناك يجتمع بطنا الدماغ المقدمان اجتماعاً يتراءيان للمؤخر في هذا المنفذ وذلك الموضع يسمى مجمع البطنين وهذا المنفذ نفسه بطن . ولما كان منفذاً يؤدي عن التصور إلى الحفظ ، كان أحسن موضع للتفكّر والتخيل على ما علمت ويستدل على أن هذه البطون مواضع قوى تصدر عنها هذه الأفعال من جهة يعرض لها من الآفات ، فيبطل مع آفة كل جزء فعله أو يدخله آفة والغشاء الرقيق يستبطن بعضه فيغشي بطون الدماغ إلى الفجوة التي عند الطاق وأما ما وراء ذلك ، فصلابته تكيفه تغشية الحجاب إياه وأما